وسط الازدحام

بدأ نهاره عابسا كعادته، دخل مكتبه وطلب قهوته، ثم انهمك في مراجعة بعض الأوراق أمامه، وقّع على بعضها، وأزاح بعضها الآخر جانبا ليقف فجأة ويتجه نحو النافذة، سماء رمادية شاحبة بعثت في نفسه انقباضا، زاد من حدته شكل الأشجار في الشارع بأغصانها العارية المتشابكة في توتر… هكذا أحسّ بها هو! وقفزت إلى ذاكرته، فهزّ رأسه في حركة لا شعورية كأنه يطردها من أفكاره . . كانت تردد دائما أن هناك موسيقى ما في تشابك واتجاهات أغصان الأشجار في فصل الشتاء، وردّد في نفسه : «قال موسيقى قال . . كم احتملت فلسفتها»!.
تنهّد بضجر، وعاد نحو مكتبه وأشعل سيجارة، وألقى رأسه إلى الخلف ليطالعه الضوء الباهت البارد المنعكس في المكان، فسرت في جسده قشعريرة غريبة وأحس بطيور السأم تحط على قلبه ببلادة…
تناول الأوراق لمراجعتها، وهو يحاول أن يجد سببا لهذا الإجهاد الذي يشعر به ساعة الصباح على غير العادة، ثم حاول أن يتذكر فكرة واحدة تشعره بشيء من البهجة، فلم يجد! بعد قليل سينتهي الدوام، وعليه أن يمر بسيارته على الميكانيكي، ثم يمضي إلى أحد المستشفيات لزيارة زميل، لا وقت للغداء، ومن قال إنه يشعر بالجوع، «تبّاً لهذا اليوم، كل شيء فيه يبدو في منتهى السخف!» هذا ما قاله لنفسه وهو يشعل سيجارته الثانية.
«أنت تنفث الدخان بطريقة مضحكة أحيانا!» هكذا كان رأيها في طريقة تدخينه كما عبرت عنه ذات مرة، ووجد نفسه يقوم من مقعده فجأة ليقول لنفسه: «هذه التافهة! وكيف تراني يجب أن أنفث الدخان لأبدو في نظرها مثيراً للإعجاب؟ لا أعلم! كم احتملت تفاهاتها!».
وأضاف: «في النهايات راحة، هذا واضح، وبقدر ما لبدايات قصص الحب من جاذبية، إلا أن في نهاية كهذه سعادة! نعم، يجب أن أكون سعيداً بإنهاء علاقة أتعبتني! هذه المرأة لا تناسبني ويبدو أني لا أناسبها، فهي حساسة جدا وأنا سريع الغضب . . أو مهلاً، فربما أنني أنا الحسّاس . . وهي سريعة الغضب، كل هذا لا يهم، المهم هو أنها لم تستطع استيعابي واحتوائي هكذا كما أنا . . لقد قالت خلال شجارنا الأخير أنها لا ترغب برؤيتي ثانية!».
هزّ كتفيه كطفل مدلّل ليقول: «ومن هو الغبي ابن الغبي الذي قال إني أفكر في رؤيتها؟ يجب أن أرسم لنفسي خطة جديدة في الحياة، بل واستغل طاقتي النفسية التي استنزفتها بالتفكير والقلق عليها في أمور أخرى أكثر أهمية، يجب أن أزيد ساعات المطالعة مثلا، أو أعود لأتابع النشاطات الثقافية من ندوات ومعارض كتب وغيره، وأعود إلى مخالطة الأصدقاء الذين ابتعدت عنهم بشكل أو بآخر».
وأضاف وهو يلملم أوراقه مغادراً المكتب: «الحياة أوسع وأرحب من أن تتوقف عند الأشخاص، والحب قد يكون لعنة أحياناً أو ورماً خبيثاً لا سبيل للتخلص منه إلا بالبتر . . وسأعمل على بتر ذلك الجزء من قلبي الذي حسبت أنه انشغل بها، نعم، فالحب في الأرض بعض من تخيلنا . . لو لم نجده عليها لاخترعناه!».
وفيما كان يهم بفتح باب سيارته، رنَّ هاتفه النقَّال معلناً وصول رسالة… فتحها بيدٍ مرتجفة، فقرأ كلمة منها تقول: «أحبُّك…»
وشعر أن قلبه عصفور يكاد يفرّ من بين ضلوعه، وشعر أنه يرغب في الغناء مرة، وفي الركض في منتصف الشارع مرة أخرى، وفي ضمّ الدنيا كلها إلى صدره في كل المرات، وسار بسيارته وسط الازدحام ليسرح في شكل الأغصان المتشابكة… وفرقة موسيقية كاملة تعزف في قلبه!
وبدأ يفكر، ويحاسب نفسه عما يمكن أن يكون قد بدر منه خلال شجارهما الأخير، ثم في وسيلة للاعتذار… فيما لم ينتبه وسط شروده لبعض المارة يبتسمون وهم يرون رجلاً بالغاً يحادث نفسه داخل سيارته وسط الازدحام!.
د.لانا مامكغ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *