Latifa, and Latifa

 

لدى جدتي قاعدة تنص على عدم جواز صمتها أمام شخص يبكي، فإذا بكت عمتي بكت معها، و إذا بكى أخي بكت معه، و إذا بكت ممثلة في فيلم بكت معها.

قبل أعوام لاحظت أن جدتي تراقب التلفاز بصمت و تبكي…سألتها:ماذا تشاهدين يا جدتي؟ قالت:جنازة. في الحقيقة استغربت من الإجابة…جلست بجوارها ففهمت ما كانت تعنيه…كانت تشاهد جنازة الراحلة ذكرى…و تشاهد الأشخاص الذين يبكون و تبكي معهم…سألتني من بين دموعها: من هذه؟ قلت: من يا جدتي؟ قالت: هذه المرأة التي تمسك رأسها بقوة و تبكي…هل هي أخت المتوفاة؟ قلت لها: تقريبا…إنها صديقتها العزيزة…إنها مغنية يا جدتي و اسمها لطيفة…من تونس. قالت: حسنا يا جدتي أنا امرأة عجوز…و لا اعرف هؤلاء المغنيات " الصبايا"…جلسنا بعد ذلك صامتين نتابع ما كان يحدث على الشاشة. لفتت جدتي انتباهي –دون قصد- إلى قدرة لطيفة على إظهار عواطفها أمام الناس دون خجل…فلم يمنعها شيء من التصرف بعفوية تجاه وفاة صديقة عزيزة لها…فبعد ملاحظة جدتي رأيت لطيفة كإنسانة و ليس كمغنية عالمية غنت الروائع على مدى أعوام.

منذ ذلك اليوم و إنا أحاول في كل مرة أرى فيها لطيفة أن افصل بين الفنانة و الإنسانة فيها.

فعندما تابعتها و هي تستلم جائزة الموسيقى العالمية لاحظت إنسانيتها و هي تقول :" لن تكتمل سعادتي إلا بتحرير فلسطين و العراق". و عندما قدمت مسرحية حكم الرعيان لاحظت إنسانيتها بالسعادة الغامرة بالتجربة الجديدة…هذه السعادة التي جعلتها تجوب دول عربية عدة لتنثر سعادتها فيها.

محطات قليلة تابعت لطيفة فيها و في كل مرة كنت أراها إنسانة و أحب تفاعلها مع كافة القضايا سواء الإنسانية أم الوطنية أم غيرها.

أما ما دفعني إلى كتابة هذه المقالة فهو رؤيتي مرة أخرى لانفعالات لطيفة…فلطيفة في فترة الحرب على لبنان أظهرت مشاعرها بجودة عالية ….صرخت و ناقشت و تحدثت أكثر من مرة عن مشاعرها و عن موقفها مما يحدث في لبنان …عندما تحدثت لطيفة عن الحرب في لبنان لم ألاحظ لمعان نجمة..أو شهرة مطربة…بل لاحظت قلق فتاة حزينة على ما يجري أمامها.

و مرة أخرى عادت جدتي لتلفت انتباهي لشيء قالته لطيفة…فعندما سئلت لطيفة عن دور الفنان في الأوقات التي لا يوجد فيها حروب..قالت إنها لم تعش يوما لا يوجد فيه حرب فمنذ وعيها و هي تعيش أحداث الحرب في فلسطين ، الأمر الذي قالت جدتي عندما قلت لها : يا لحظك لقد عشت في فترة سلام و أنت شابة فقالت: أي سلام؟ منذ وعيت على هذه الدنيا و أنا لا اعرف إلا الحرب…منذ الاحتلال الانجليزي لفلسطين و حتى ألان.

أخيرا انتقدت لطيفة عندما غنت أغنية وطنية في فترة الحرب و لكنها قالت للصحافة أن هذا ليس صوتها و أنها لا تغني بل إنها تطلق صرخة أمام الجميع تعبر عما يدور في بالها، فكان هذا جواب لي اثر كثيرا في رغبتي لكتابة هذا المقال – خصوصا بعد الكم الهائل من الأغنيات الوطنية التي ظهرت مؤخرا- لكي أقول لها: غني أغنية وطنية يا لطيفة و ارحمينا من النكرات الذين أصبح لا هم لهم إلا المتاجرة بالحروب و معاناة الناس حتى يكسبوا المزيد من الشهرة و الدعاية ، فأنت واحدة من ضمن قليلات نستطيع تحديد صوتها دون حاجة إلى إصغاء و أنت الوحيدة التي نصدق أنها تغني لأنها تريد أن تعبر عن مشاعرها بصدق دون أن يكون هناك هدف أخر غير أن ترينا أنها إنسانة من زمن جميل.

10 thoughts on “Latifa, and Latifa”

  1. الحقيقة اخ هشام كتير بحيك علي مقالك عن المطربة التونسية لطيفة التي في يوما لم تنسي واجبتها الوطني اتجاة و طنها العربي الكبير و حقيقا حزن لطيفة اثناء جنازة الراحلة الكبيرة ذكري و تفاعلها مع مختلف القضايا يثبت انها انسانة حساسة و واعية بمختلف القضايا و لا تتاجر بالفن كما يفعل الكثيرين لطيفة التي غنت للوطن في السلم و الحرب بتمني انو كتير فنانين يتعلموا منها

  2. اللي في القلب يصل الى القلب .. ولطيفة بعفويتها ومشاعرها الصادقه تجاه اي حدث يؤثر في الشاب والفتاة والشيخ والطفل .. لطيفة دمتي لنا فخراً للفن العربي والمقاومة العربية والضمير العربي

  3. الاخ هاشم رشيد كثير اشكرك على هذا المقال الرائع واحييك على كل كلمة قلتها في حق هذه الفنانة الاكثر من الرائعة لطيفة التونسية الفنانة الكبيرة بأخلاقها ووطنيتها وفنها الراقي …..انا كمحب لهذه الفنانة احب ان اشكرك
    عثمان من المغرب

  4. اشكرك اخ هشام على كلامك الرائع عن لطيفه. في حين ان البعض يهاجم اي فنان يقوم بتقديم اغاني وطنيه و يتهمونه بالاتجار بوطنيه الناس لاحظت انت و جدتك حفظها الله ان لطيفه ليست منهم.
    سلام و حب
    بشار – الكويت

  5. الاخ هشام لك جزيل الشكر على تعبيرك الصادق والعفوى تجاه الفنانه لطيفه ،(فخر نساء العرب) وكم اتمنى ان نحظى نحن محبى الفنانه لطيفه باشخاص واعيين وصادقين مثلك
    تحياتى اخى الكريم

  6. لطيفه هذة الفنانه الكبيرة العربية ..التى تحمل هم الوطن العربي من المشرق للمغرب ليس بغريب عليها مواقفها الوطنيه المشرفه منذ سنوات طويلة ..فهى كماهى…. تتكلم فى المواضيع السياسيه حتى فى اوقات السلم..ودموعها صادقه وعفويه وهى تعبر عما فى داخلها من احاسيس..فعلاً صدق من سماها لطيفه..فهى لطيفه بكل ماتحمل الكلمة من معنى
    وشكرا لك اخ هشام وتحياتنا لجدتك العزيزة..

  7. بسم الله الرحمن الرحيم
    اشكرك يااخى هاشم على كلماتك الرائعه عن الفنانة الاكثر من رائعه(لطيفه)كلماتك لامست قلبى الذى يملؤه حب هذه الانسانة الرائعه الوطنية الابيه
    واتمنى ان يحذو كل فنان وفنانة حذو لطيفه
    مجنونة لطيفه للابد

  8. كيفيك هشام احب اشكرك على كلامك الرقيق عن الغالية لطيفة سفيرة الفن العربى وصاحبة المواقف الصادقة وياريت الكل يتعلم منها حب امتنا العربية واحساسها بالغير
    اتمنى ان تشاركنا دائما برسائلك الجميلة

  9. ان سحر عباراتك هذه يمتزج مع سحر شخصية الفنانة لطيفة لتضيفا الينا قيما جديدة تخاطب الوجدان وتستصرخ الهمم نقول لكم الى الأمام وإننا عطشى الى المزيد المزيد

  10. السلام هشام بالرغم من انني دائما ازور موقع لطيفة و متابعة لاخبارها الا انني اليوم فقط عثرت على مقالتك.بصراحة شكرا لك فالغالية لطيفة هي اروع انسانة و فنانة على الساحة العربية و لا نشك في احساسها و انا شخصيا كنت واثقة في لطيفة و في احساسها بالاخرين ان تصرخ و تقدم ما لديها من ايعانات مادية و معنوية.شكرا لك هشام على كلامك الرائع في لطيفة و رب يخليك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *